سرد قصصي
ــــــــــــــــــــــ
يوم بكت السماء !
يوم استشهاد الفريق عبد المنعم ريا ض
بقلم
أحمد عبد اللطيف النجار
كاتب عربي
اليوم 9 مارس 1969 استيقظ النقيب عزت مبكراً ووجد جنود الكتيبة في حركة دائمة كخلية النحل تماما .
لقد كانت معركة الأمس ساخنة وقاسية من أول دقيقة ، الموت من حولهم في كل مكان ، أصوات المدافع تحدث أزيزاً مروع قبل أن تنفجر ، كان الجو ثقيلاً يكتم الأنفاس .
نادى النقيب عزت العريف إسماعيل وسأله عن أحوال الجنود وحالتهم المعنوية ؛ فأجابه بأنها عالية في عنان السماء ، فالجميع يصرون بروح التحدي علي محو عار الهزيمة الغادرة في حرب يونيه 1967.
كل القيادات مجتمعة في المواقع الأمامية علي شاطئ القناة في مواجهة خنازير صهيون في الشاطئ الآخر من القناة .
ذهب النقيب عزت في مأمورية عاجلة للاجتماع مع مبارك رفاعي محافظ الإسماعيلية ، وعندما اقترب من مبني المحافظة رأي علي البعد سيارة جيب صغيرة تقترب ولاحظ أن السيارة الصغيرة تسير بطريقة غير عادية كأنها تترنح !
عندما وصلت السيارة إلي مبني المحافظة توقفت ، ثم تقدمت فجأة بسبب خطأ قائدها ، فاصطدمت بعامود الكهرباء المواجه لباب الدخول الرئيسي للمحافظة .
اتجه النقيب عزت ببصره ناحية باب السيارة الذي فُتح بصورة غير طبيعية وجاء صوت ينتحب من داخل العربة وهو يسأل بلهفة : أين مبارك الرفاعي المحافظ ؟!
أرجو إبلاغه أن الفريق عبد المنعم رياض معي في السيارة وهو مُصاب إصابة خطيرة !
علي الفور أسرع أحد العاملين في المحافظة إلي الداخل لإبلاغ المحافظ ، وأسرع عزت نحو باب السيارة ونظر داخلها ؛ فوجد القائد المصري العظيم في غيبوبة كاملة والدماء تنزف بغزارة من كل مكان في جسده الطاهر ، وأنفه وفمه تخرج منهما خيوط الدم بلا توقف !
يا إلهي ..! صرخ عزت . ماذا حدث ؟!!
كان يجلس بجوار الفريق عبد المنعم رياض أحد القادة العسكريين المسئولين عن قيادة القطاع الأوسط في
منطقة القناة ، وكان مصاباً في ساقيه إصابات شديدة ، ولم يكن يستطيع هو الآخر أن يتحرك .
بعد لحظات قصيرة جاء المحافظ ومعه المهندس مشهور أحمد مشهور قائد المقاومة الشعبية مسرعي الخطى من داخل المبني ألي السيارة التي لا تزال تواجه عامود الكهرباء .
نظر المحافظ إلي الفريق عبد المعم رياض قائلا : ألف سلامة عليك يا عبد المنعم ، سلامتك ، خير إن شاء الله .
رد عليّ يا عبد المنعم ، فتح عبد المنعم عينيه لحظات ونظر للجميع وهز رأسه بصعوبة شديدة !
طلب المحافظ من السائق التحرك فوراً إلي المستشفي ، وعندما تحركت العربة تساقطت دماء الفريق عبد المنعم رياض علي أرض الرصيف الذي كانت السيارة قد توقفت فوقه عندما اصطدمت بعامود الكهرباء ، لقد تساقطت كميات كبيرة من الدم في لحظات !
لقد شعر النقيب عزت وقتها بأن الدماء تنزف من قلبه هو !
وجد كل من حوله يبكون في صمت وهو يبكي معهم وينتحب في صمت !
أسرع المحافظ والمهندس مشهور خلف السيارة الصغيرة التي انطلقت جهة الغرب وكان السائق يسابق
الريح !
ذهب النقيب عزت وراءهم هو الآخر ، وهناك في مستشفي الميدان العسكري سأل عن حالة رئيس الأركان ، وكان الرد يأتي باقتضاب شديد : نحن نحاول والأمر بيد الله .
فجأة شاهد المهندس مشهور قائد المقاومة الشعبية ، وتعلقت عينه بالرجل الذي قال وهو يحاول أن يبدو في أقصي درجات الهدوء: إنه في غرفة العمليات ومعه أطباء الجيش وعدد من أكفأ أطباء المدينة الذين تم استدعاؤهم علي وجه السرعة ، ادعوا له .
فجأة دخل الغرفة المحافظ الذي عاد من المستشفي العسكري ، كانت الكارثة ترتسم علي وجهه وآثار الدموع لا تزال في عينيه ، جلس وهو يردد لقد كنت معه طوال الليل وتحدثنا طويلاً ثم تناولنا العشاء وطلب مني النوم في نفس حجرته ، وفي الصباح قام الشهيد العظيم مبكراً للمرور علي المواقع الأمامية ، لقد كان لقاؤنا هو الوداع الأخير ، كان عملاقاً وعسكرياً فذا .
إن خسارتنا فيه لا تُعوض ، لقد خسرت مصر واحد من أغلي الرجال وأعز الرجال .
عندما تأكد عزت من الخبر تهاوى علي أقرب مقعد وهو لا يشعر بمن حوله !
بعد دقائق قليلة جاء صوت المذيع من إذاعة القاهرة ينعى إلي الأمة من خلال بيان القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية ؛ استشهاد الفريق عبد المنعم رياض رئيس هيئة الأركان وهو يؤدي واجبه في الخطوط الأمامية بين رجاله أبناء القوات المسلحة المصرية .
تم تشييع جثمان الشهيد في موكب مهيب ، ولاحظ عزت أن القتال في هذا اليوم لم يشتعل علي الجبهة ، فقد مر اليوم كله في هدوء شديد ، ولم تُطلق رصاصة واحدة من الجانبين علي ضفتي القناة !
كان يوم 10 مارس سنة 1969 يوماً عصيبا في جبهة القنال ، فقد كان الحزن يرفرف بجناحيه في يأس وكآبه علي الجميع ، وعادت إلي الأذهان أيام يونيه السوداء !
طرأت علي النقيب عزت فكرة قرر تنفيذها علي الفور وذهب الي مساعد الحاكم العسكري وطلب منه نزع بلاطتين من البلاط الذي تساقط عليه دم الشهيد عبد المنعم رياض ووضعهما في الغرفة التي تضم آثار الحرب التي ستكون فيما بعد نواة لمتحف الإسماعيلية القومي .
علي الفور أصدر الرجل تعليماته وتم نزع البلاطتين ووضعهم في غرفة آثار الحرب .
بعد ذلك قضي النقيب عزت أكثر من ساعتين في الجبهة
الأمامية في الموقع الذي استشهد فيه الفريق البطل عبد المنعم رياض ، واستمع إلي شهود العيان وعرف منهم أن العدو الصهيوني الجبان رصد سيارة الشهيد العظيم منذ بداية جولته في الخط الأمامي المباشر في أقصي شمال القناة ، حتي وصل الي الكاب والقنطرة غرب والبلاح والفردان والإسماعيلية ، وفي الإسماعيلية توقف البطل الشهيد عند موقع المنطقة 6 وبدأ في تفقد المواقع الأمامية الملاصقة للقناة مباشرة ومعه قائد المنطقة .
في تلك اللحظة انتهز العد الصهيوني الفرصة وفتحت المواقع الإسرائيلية المواجهة للموقع المصري نيرانها بكثافة شديدة من كل أنواع الأسلحة في مواجهة الموقع الذي كان يقف فيه رئيس الأركان تماما ً !!!
في نفس اللحظة أسرع الشهيد الفريق عبد المنعم رياض وقائد المنطقة العسكرية إلي مجموعة مياه مهجورة للاحتماء بها ، لكن كان القدر أسرع ، وأصابت الموقع طلفة مباشرة من أحد مدافع العدو الثقيلة وأحدث انفجارها تفريغاً هائلاً للهواء وكميات هائلة من الشظايا وتدميراً هائلاً للمكان كله ، وأصيب الفريق عبد المنعم رياض بإصابات عديدة في كل جسده الطاهر وتمزق داخلي نتيجة لتفريغ الهواء مما أدي إلي نزيف خطير ،
وفي نفس اللحظة أصيب قائد المنطقة العسكرية بإصابات خطيرة وكسر كبير في إحدى ساقيه !
نزف الفريق عبد المنعم رياض الكثير من الدماء ، قبل أن يكتشف أحد انه مُصاب ، ونزف مرة أخري خلال عملية نقله قبل أن يتوقف القتال وحتي وصوله إلي مستشفي الميدان العسكري بالإسماعيلية .
رحم الله الشهيد العظيم عبد المنعم رياض الذي أعطي للعالم كله درساً في شموخ وبطولة الإنسان المصري والعربي ورفضه للهزيمة التي فُرضت عليه !
لقد بكت السماء يوم تشييع جنازة البطل وانهالت الأمطار بغزارة كأنها تودع الحياة !
لكن رغم اليأس والجراح فإن النور سوف يشع من جديد علي وطني ويتحرر ترابه الطاهر من دنس ونجاسة أحفاد القردة والخنازير ، وسوف نحرر الأقصى المبارك والقدس الشريف من دنس اليهود الجبناء ، ولسوف ينطق الشجر والحجر يا مسلم يا مصري يا عربي يا فلسطيني يا سوري يا عراقي يا يمني يا سعودي يا إماراتي يا بحريني ،،هذا يهودي يختفي ورائي تعالي اقتله .... تعالي اقتله ... تعالي اقتله ... تعالي اقتله !!!
أحمد عبد اللطيف النجار
كاتب عربي

رئيس مجلس إدارة المجلة
ورئيس التحرير
الشاعر والكاتب المسرحي
علاء محروس مرسي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ضع تعليقا لمجلتكم :
هل أوفينا ؟
هل لكم إقتراحا لمجلتكم ؟
ما طلبكم قبل نشر مقالكم ؟
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
الأديب والشاعر الجريح
علاء محروس مرسي